الحج والعمرة , معلومات عن الحج والعمرة

إن من أتي هذا البيت مخلصا لله-جل وعلا-يريد وجهة الكريم من قريب أو بعيد، ثم أدي هذا الحج على وجه البر لا رفث فيه ولا فسوق، فإن الله جل وعلا يكتب له به الجنة وغفران الذنوب، وهكذا العمرة، لقوله صلي الله عليه وسلم: “من أتي هذا البيت” ولقوله صلي الله عليه وسلم: “العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما”

فهذا الهدف العظيم لقاصدي هذا البلد المبارك هو مطلب كل مؤمن وكل مؤمنة الفوز بالجنة والنجاة من النار وغفران الذنوب وحط الخطايا.

والله-جل وعلا-أخير عن خليله-إبراهيم-عليه الصلاة والسلام-أنه دعا لأهل هذا البلد، فقال-جل وعلا-على لسان خليله إبراهيم: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}. [سورة البقرة:129]

واستجاب الله هذا الدعاء فبعث خليله محمدا-عليه الصلاة والسلام-بهذه الأمور التي بينما الخليل-عليه الصلاة السلام-يتلو عليهم كتاب الله المنزل، ويعلمهم الكتاب وهو، القرآن، والحكمة وهي: السنة، ويزكيهم بما بعثه الله به من الأخلاق العظيمة، والعبادات الرفيعة المتنوعة، ويطهرهم من الأخلاق الذميمة والصفات المنكرة، فالإسلام طهره لهم وزكاة لهم من جميع أعمالهم وجميع أخلاقهم المنحرفة، وتوجيه لهم إلى طيب الأعمال وزكي الأخلاق، ومن ذلك الحج.

والله بعث محمدا وسائر الأنبياء بما فيه طهارة القلوب وطهارة الأعمال، وصلاح القلوب وصلاح الأعمال، وصلاح الأخلاق.

فمن الزكاة والطهرة إقامة الصلوات كما شرعها الله، وأداء الزكاة كما شرعها الله، وصوم رمضان كما شرعه الله، وحج البيت كما شرعه الله، وهكذا أداء بقية الأوامر مع اجتناب النواهي، فالرسل-عليهم الصلاة السلام-وعلى رأسهم خاتمهم وأمامهم نبينا محمد-عليه الصلاة والسلام- بعثوا ليطهروا الناس من أخلاقهم الذميمة، وأعمالهم الخبيثة ويزكوهم بالأعمال الطيبة والأخلاق الكريمة، التي أعظمها وأساسها توحيد الله- سبحانه وتعالي- وإخلاص العبادة له- جل وعلا- في جميع الأحوال، وترك عبادة ما سواه والإيمان به وبرسله، وبكل ما أخبر الله به ورسله عما كان وما يكون، والإيمان بنبيه محمد صلي الله عليه وسلم والاستقامة على دينه هذا أصل هذا الدين وأساسه، توحيد الله والإخلاص له وهو أعظم هدف للحج وأعظم مقصد، أن يأتي العبد مخلصا لله، يقصد وجهه الكريم ويلبي ويقول: “لبيك لا شريك لك” يريد إخلاص العبادة له وحده يريد توجيه قلبه وعمله لله-سبحانه وتعالي-ويكرر:(لبيك اللهم لبيك) يعني أنا عبد مقيم لعبادتكم إقامة بعد إقامة، ومجيب لدعوتك على دين رسولك وخليلك إبراهيم وعلى دين حفيده محمد-عليه الصلاة والسلام-مجيب لذلك إجابة بعد إجابة، أقصد وجهك وأخلص لك العمل، وأنيب إليك في جميع الأعمال من صلاة وحج وغير ذلك.

(لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك)

هذا أول شيء يبدا به قاصد البيت العتيق إخلاص العبادة لله وحده، والتوجه إليه، والإقرار أنه سبحانه الواحد الأحد لا شريك له في الخلق والتدبير والملك، ولا مثيل له في ذلك، وله العبادة-وحده-دون كل ما سواه، فهو مختص بالعبادة-وحده-دون كل ما سواه كما قال-جل وعلا:( أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة:5] قال-عز وجل:( اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ (2) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) [الزمر:3،2] وقال سبحانه:( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [ الفاتحة:5] وقال-عز وجل) ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الْبَاطِلُ) [لقمان:30].

فالعبادة حقه، وما سواه معبود بالباطل فمن عبد الرسول أو الأنبياء أو الملائكة أو الصالحين أو الجن أو الأصنام أو غير ذلك فقد عبدهم بالباطل وأشرك بالله الشرك الأكبر.

فالرسل أفضل عباد الله لكن لا حق لهم في العبادة فالعبادة حق الله.

والملائكة والصالحون من خير عباد الله من جن وإنس لكن لا حق لهم في العبادة.

العبادة حق الله-وحده-ليس له فيها شريك كما قال-تعالي:(وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ) [الإسراء:23]، وقال-سبحانه:( وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) [الجن:18] وقال وجل:( ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ ما يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13) إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) [فاطر، 14:13]

تفسير سورة يس واهميتها للمسلم

فبين-سبحانه-أن الدعوة لغيره شرك بالله-تعالي-سواء كان المدعو ملكا أو رسولا أو نبيا أو صالحا أو جنيا أو صنما أو غير ذلك، ويقول-جل وعلا:( وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ(117)) [المومنون،117] فسماهم كفره بذلك.

فمن أعظم مقاصد الحج وأعظم أهدافه إخلاص العبادة لله-وحده-وتوجيه القلوب إليه-جل وعلا-إيمانا لأنه يستحق العبادة، وإيمانا بأنه المعبود بالحق، وإيمانا بانه رب العالمين-وحده-وأنه صاحب الأسماء والصفات الكريمة-وحده-لا شريك له ولا شبيه ولا ندله-سبحانه وتعالي-وقد أشار إلى هذا في قوله-جل وعلا:( وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) [الحج:26].

وفي البقرة-من اية125قال تعالي:( وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً للنّاس وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَآ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) بأن يعبدوه وحده عند بيته الكريم ويطروا ما حول البيت من الأصنام والأوثان، وسائر ما حرم الله، ومن النجاسات، ومن كل ما يؤذي الحجيج أو العمار، أو يشغلهم عن هدفهم.

فالبيت للمصلين وللطائفين وللعاكفين وهو المقيمون عنده يعبدون الله فيه، وفي حرمه يجب أن يطهر لهم من كل ما يصد عن سبيل الله، أو يلهي الوافدين إليه من قول أو عمل، ثم يقول-سبحانه-بعد ذلك:( وَأَذِّن في النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَميِقٍ) [الحج:27].

وقد أذن إبراهيم-عليه الصلاة والسلام-في الناس، وأسمع الله صوته لمن يشاء من العباد وأجاب الناس هذه الدعوة المباركة من عهد إبراهيم-عليه الصلاة والسلام-وأظهر تحريمه بين الناس، وقد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. ثم قال-جل وعلا: (ليشهدوا منافع لهم) أطلقها وأبهمها لعظمها وكثرتها، منافع عاجلة وآجلة منافع دنيوية وأخروية، فمنها-هو أعظمها-ليشهدوا توحيده والإخلاص له، في الطواف ببيته والصلاة في رحاب بيته، والدعوة له-سبحانه-والإنابة إليه والضراعة إليه بأن يقبل حجهم، ويغفر لهم ذنوبهم، ويردهم سالمين إلى بلادهم ويمن عليهم بالعودة إليه مرة بعد مرة، ليضرعوا إليه-جل وعلا.

هذه أعظم المنافع أن يعبدون-وحده-وأن يأتوا قاصدين وجهه الكريم لا رياء ولا سمعة، بل جاؤوا ليطوفوا ببيته، وليعظموه وليصلوا في رحاب بيته، ويسألوه من فضله-جل وعلا.

هذه أعظم المنافع وأكبرها توحيد الله والإخلاص له والإقرار والتواصي بذلك بين العباد الوافدين، يتعرفون هذا الأمر العظيم ويلبون بأصوات يسمعها كل أحد، ولهذا شرع الله رفع الصوت بالتلبية، ليعرفوا هذا المعني وليتحققوه وليتعهدوه في قلوبهم وألسنتهم، وفي الحديث عن الرسول صلي الله عليه وسلم قال” إن جبرائيل أتاني فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال” فالسنة رفع الصوت بهذه التلبية حتي يعلمها القاصي والداني ويتعلمها الكبير والصغير، والرجل والمرأة وحتي يستشعر معناها ويتحقق مقتضاها، وأن معناها إخلاص العبادة لله-وحده-والإيمان بأنه إلههم الحق وخالقهم ورازقهم ومعبودهم-جل وعلا-في الحج وغيره.

ومن مقاصد الحج أن يتعارف المسلمون ويتواصوا بالحق ويتناصحوا، يأتون من كل فج عميق من غرب الأرض وشرقها وجنوبها وشمالها، يجتمعون في رحاب بيت الله العتيق في (عرفات) وفي (مزدلفة) وفي (مني) وفي رحاب مكة يتعارفون ويتناصحون ويعلم بعضهم بعضا، ويرشد بعضهم بعضا ويساعد بعضهم بعضا، ويواسي بعضهم بعضا، مصالح عاجلة وآجلة، مصالح التعليم والتوجيه والإرشاد والدعوة إلى سبيل الله، وتعليم مناسك الحج، وتعليم الصلاة وتعليم الزكاة يسمعون من العلماء ما ينفعهم، لأن الله بعث محمدا صلي الله عليه وسلم بما يزكيهم وبما يعلمهم الكتاب والحكمة، فيسمعون في رحاب البيت العتيق وفي رحاب مسجد رسول الله صلي الله عليه وسلم يسمعون من العلماء ما فيه الهداية والبلاغ والإرشاد إلى طريق الرشاد، وسبيل السعادة إلى توحيد الله والإخلاص له، إلى ما أوجبه الله على عباده من الطاعات، وإلى ما حرم عليهم من المعاصي ليحذروها، وليعرفوا حدود الله ويتعاونوا على البر والتقوي، فمن أعظم المنافع وأجلها أن يتعلموا دين الله، ويتبصروا في رحاب البيت العتيق ورحاب المسجد النبوي من العلماء والمرشدين والمذكرين ما قد يجهلون من أحكام دينهم، وما قد يجهلون من أحكام حجهم وعمرتهم حتي يؤدوها على علم وبصيرة، وحتي يعبدوا الله في أرضهم وأينما كانوا على علم وبصيرة.

قيمة العمل فى الاسلام

من هنا نبع هذا العلم-علم التوحيد-وصدر، ثم من المدينة ثم من سائر هذه الجزيرة ومن سائر بلاد الله التي وصلها العلم وأهله لكن أصله من هنا، من رحاب بيت الله العتيق.

فعلي العلماء أينما كانوا وعلى الدعاة أينما كانوا ولا سيما هنا في رحاب بيت الله أن يعلموا الناس، والحجيج العمار ويعلموا القاطنين والوافدين والزائرين، يعلمونهم مناسك حجهم، يعلمونهم، لماذا خلقوا، وبماذا أمروا، خلقوا ليعبدوا الله وأمروا بعبادة الله قال تعالي: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴿٥٦﴾) [الذاريات:56].

وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿21﴾) [البقرة:21].

فعلي العلماء-وفقهم الله-أينما كانوا أن يرشدوهم في المساجد وفي الطرقات وفي السيارة وفي الطائرة وفي السفينة، وفي أي مكان وأن يرشدوهم إلى أسباب النجاة وأن يحذروهم أسباب الهلاك، وعليم بوجه خاص أن يعلموهم مناسك حجهم وعمرتهم التي جاؤوا ليؤدوها يعلموهم ذلك في كل مكان.

والمؤمن لا يدع فرصة إلا انتهزها للتعلم، والا سيما من العالم، وطالب العلم أينما كان-ولا سيما في رحاب بيت الله العتيق في أيام الحج هذا الموسم العظيم.

فالمسلم مأمور بالتعلم وبالتفقه أينما كان وفي أي مكان وزمان، ولكن في رحاب بيت الله العتيق الأمر أعظم والحاجة ماسة للتفقه في الدين وفي مناسك الحج والعمرة بوجه أخص يقول النبي صلي الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين” متفق علة صحته.

فمن علامات الخير لك والسعادة أن تتفقه في دين الله، هنا في بلد الله العتيق وفي بلادك وفي أي أرض كنت من أرض الله متي وجدت العالم بشرع الله-سبحانه-فانتهز الفرصة ولا تتكبر ولا تكسل، فالعلم لا يناله المتكبرون، ولا يناله الكسالى والعاجزون فهو يحتاج إلى نشاط وهمة عالية، ولا يناله المستحون، وليس التأخر عن طلب العلم بحياء، ولكنه خور وضعف وعجز، يقول الله-سبحانه: (وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) [الأحزاب:53].

ويقول مجاهد التابعي الجليل-رحمة الله: “لا يتعلم العلم مستح ولا مستكبر” فالمؤمن البصير لا يستحي في هذا، بل يتقدم ويسال، والمؤمنة كذلك كل منهما يتقدم ويسال ويبحث ويبدي ما لديه من الأشكال حتى يزول إشكاله.

ومن علامات السعادة والتوفيق والخير أن تتعلم وأن تتفقه في دين الله يقول صلي الله عليه وسلم: “من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة”

في الصحيحين عن أبي موسي الأشعري أن النبي صلي الله عليه قال: “مثل ما بعثني الله به من الخدي والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضا فكانت منها نقية قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثر وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس، فشربوا وسقرا وزرعوا وأصاب طائفة منها أخري إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، ذلك من فقه في دين الله ونفعه ما بعثني الله به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به”.

اترك تعليقاً