تفسير سورة يس | تفسر سورة يس من الآية 41 إلى 46

قال تعالي: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (44) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ)

شرح الآيات الستة

شرح الآية الأولى (41)

(وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ)

يوضح من هذه الآية دلائل قدرة الله تعالي وآلائه التي أسبغها على عباده سباحة الكواكب في أفلاكها ثم ذكر في هذه الأية ما هو مثله وهو سباحة الفلك في البحار فقال: وبين سباحة الكواكب والنجوم في أفلاكها والفلك المشحون السابح في الماء يحمل ذرية بني آدم مناسبة لطيفة الشكل والحركة، وتسخير هذا وذاك بأمر تعالي وحفظة بقدرته في السماء والأرض سواء، وهذه الآية كالتي قبلها يراها العباد ولا يتدبرونها بل إن آية الفلك في البحار أقرب إليهم وأيسر تدبرا وتأملا لو فتحوا لها قلوبهم.

دعاء رمضان , ادعية يومية طوال شهر رمضان

وفي المراد من قوله (وآية لهم) ثلاثة معان:

الأول: أحدهم عبره لهم لأن في الآيات اعتبارا لأولي الألباب.

الثاني: نعمة عليهم لأن في الآيات إنعتما عليهم وفوائد لهم.

الثالث: إنذار لهم لأن في الآيات إنذارا بالعذاب إن لم يلتفتوا إليها، ويقوموا بواجب شكر المنعم بها.

وفي إسناد حمل إلى ضمير العظمة “نا” إيحاء بتعظيم حمل الفلك وأنه لا يقدر عليه إلا الله سبحانه، والمعني أن تسخير البحر والفلك كما أنه نعمه في حق الذرية فهو نعمة في حق الآباء أيضا لآنه لما كان فالصبر على القرار فيها أشق وأعجب كانت النعمة في حقهم أتم.

وقيل المراد بالفلك سفينة نوح، و”ال ” في “الفلك” للعهد والمعني أنا حملنا أولادهم.

فعلي هذا كان الظاهر أن يقال: ” إنا حملناهم وذرتيهم، لأن أنفسهم أيضا محمولة في فلك نوح عليه السلام، إلا أنه قيل حملنا ذريتهم بتخصيص الحمل للذرية لكونه أبلغ في الامتنان بكمال النعمة في حقهم فإنه لو قيل حملناهم لكان امتنانا بمجرد تخليصهم أي الآباء من الغرق، فلما قيل حملنا ذريتهم أفاد الكلام أن نعمة التخليص من الغرق لم تكن مقصرة عليكم أيها الآباء، بل هي متعدية إلى أعقابكم إلى يوم القيامة حيث حملنا معكم أولادكم إلى يوم القيامة في ذلك الفلك، ولولا ذلك لما بقي لكم نسل ولا عقب، والأظهر أن المراد بالفلك الجنس لأن سفينة نوح لم تكن معروفة عندهم ولم يعلموا من حمل فيها، قال:( اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12)[سورة الجاثية]

وقال:( وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [فاطر: 12]

شرح الآية الثانية (42)

(وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ)

والقرآن يفسر بعضه بعضا، ومما لا شك فيه أن الفلك في هذه الآيات لم يرد به سفينة نوح عليه السلام، والمراد بـ “مثله” أقوال:

قال أبو مالك: إنها السفن الصغار خلقها مثل السفن الكبار.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما، خلق لهم سفنا أمثالها يركبون فيها.

وقيل هي السفن المتخذة بعد سفينة نوح.

وقيل إنه للإبل والدواب وكل ما يركب.

فضل ذكر لا اله الا الله

والخلاصة في هذا أن من دلائل قدرته ورحمته تبارك وتعالي، تسخير البحر ليحمل السفن، وركوب الذرية أي الأولاد في السفن المملوءة بالبضائع التي ينقلونها من بلد إلى آخر لتوفير القوت والمعاش كما قال تعالي:( أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنْ آيَاتِهِ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) [لقمان:31].

وقيل: الذرية آباؤهم الذين حملوا في سفينة نوح وهي السفينة المملوءة بالأمتعة والحيوانات التي أمره الله تعالي أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين حفاظا على أصول المخلوقات، والمعني أن الله حمل آباء هؤلاء وأجدادهم في سفينة نوح وقال تعالي:( وَخَلَقْنَا لَهُم مِّن مِّثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ(42)).

أي خلقنا للناس مثل تلك السفن سفنا برية وهي الإبل فإنها سفن البر يحملون عليها وعليها يركبون، ويري “الرازي” أن الضمير في مثله يعود على الفلك على قول الأكثرين، فيكون هذا كقوله تعالي:( وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ) [ص:58].

وعلى هذا فالأظهر أن يكون المراد الفلك الأخر الموجود في زمانهم وليس المراد الإبل، ويحتمل أن يعود الضمير في مثله إلى معلوم غير مذكور تقديره من مثل ما ذكرنا من المخلوقات.

وعلى هذا تشمل الآية كل وسائل النقل الحديثة من سيارات وقطارات وطائرات وغير ذلك، ونظير الآية قوله تعالي:( وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ) [النحل:8]

ومهما يكن من شيء فإن السفن على اختلاف الأقوال فيها تسير بقدرة الله ونواميسه التي تحكم الكون وتصرفه، وتجعل الفلك يعوم على وجه الماء بحكم خواص الفلك، وخواص الماء وخواص الريح أو البخار أو الطاقة أو غيرها من القوي، وكلها من أمر الله وخلقه وتقديره

شرح الآية الثالثة (43)

(وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ)

الغرض من ذكر هذه الآية أمران

الأول: أن الناس في حال النعمة ينبغي ألا يأمنوا عذاب الله تعالي.

الثاني: أنها ترد على الطبيعيين الذين يقولون إن السفينة تحمل، بمقتضي الطبيعة والمجوف لا يرسب ليس الأمر كما زعمتهم بل لو شاء الله أغرقهم.

دعاء الاستغفار المستجاب

وليس ذلك بمقتضي الطبع، ولو صح كلامهم الفاسد لكان لقائل إن يقول، ألست توافق أن من السفن ما ينقلب وينكسر ومنها ما يثقبه ثاقب فيرسب وكل ذلك بمشيئة الله تعالي ومثل هذه الأية قولة تعالي:( لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ) [يس:23].

وقوله تعالي:(وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما).

وقوله صلي الله عليه وسلم: (ما شاء الله كان ومالم يشأ لم يكن) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب من حديث طويل.

ومعني الاستثناء في قوله:( إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ) لا ينقذهم من الغرق أحد إذا أردنا إغراقهم إلا أن نفعل نحن ذلك الإنفاذ لرحمة صادرة منا ولتمتع بالحياة إلى حين قدر لآجالهم، أو إلا أن ترحمهم رحمه ونمتعهم تمتيعا إلى أجل يموتون فيه أو إلا برحمه منا، أو ولاهم ينجون من الغرق البتة ولكن رحمتي هي التي تنجيهم.

وهذه الآية كقوله تعالي:( أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۚ إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِّنَ السَّمَاءِ) [سبا:9].

والمراد بالآيتين التخويف مما أحاطهم من العذاب من كل جانب أينما ساروا، فهو أمامهم وخلفهم محيط بهم فليس في وسعهم أن يتخلصوا منه بالهرب.

شرح الآية الرابعة (44)

(إِلَّا رَحْمَةً مِّنَّا وَمَتَاعًا إِلَىٰ حِينٍ)

وفائدة الاستثناء في قوله:(إلا رحمه منا ومتاعا إلى حين) انقسام الإنقاذ إلى قسمين الرحمة والمتاع، فمن علم الله أنه يومن ينقذه رحمه منه سبحانه، ومن علم أنه لا يؤمن فليتمتع زمانا ويزداد إثما.

وما أحوج راكب الفلك إلى رحمة الله فالسفينة في الخصم كالريشة في مهب الريح مهما ثقلت وضخمت وأتقن صنعها، إلا تدركها رحمة الله فهي هالكة في لحظة من ليل أو نهار، فرحمه الله وحدها هي العاصم من العواصف والتيارات في هذا الخلق الهائل التي تمسك يد الرحمة الإلهية عنانة الجامح ولا تمسكه يد سواها في أرض أو سماء، وذلك حين يقضي الكتاب أجله ويحل الموعد المقدور في حينه وفق ما قدره الحكيم الخبير قال تعالي:(مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا ۖ وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [فاطر:2].

شرح الآية الخامسة (45)

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)

في الآيات السابقة بيان لإعراضهم عن آيات الله الكونية وفي هذه الآية بيان لإعراضهم عن آياته التنزيلية.

للقرآن عطاء غزير لمعان كثيرة يستنبطها القارئ في كل جيل، وفي قوله:( أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ) تحقيق لهذا القول، فقد يراد ما بين أيديكم من الوقائع فيمن كان قبلكم من الأمم وما خلفكم من الآخرة، أو ما بين أيديكم ما مضي من الذنوب وما خلفكم ما يأتي من الذنوب، أو ما بين أيديكم ما مضي من أجلكم وما خلفكم ما بقي منه، أو ما بين أيديكم من أمر الآخرة وما عملوا لها وما خلفكم من أمر الدنيا فاحذروها ولا تغتروا بها، أو ما بين أيديكم ما ظهر لكم وما خلفكم ما خفي عنكم وكل هذه المعاني مرادة.

دعاء يوم الابعاء التوسل الى الله

“لعلكم ترحمون” أي راجين أن ترحموا والترجي في لعل من جانب المخاطبين وليس من الله سبحانه أو كي ترحموا فتنجوا من ذلك لما عرفتم أن مناط النجاة ليس إلا رحمه الله، فلعل هنا للتعليل ولا يكون الترجي من جانب الله لأن الترجي طلب الأمر المشكوك فيه والله يعلم الأشياء علما قطعيا قبل وجودها فلا يقع منه الشك، ولأن الترجي يكون من الأدنى للأعلى ولا يوجد من هو أعلي من الله حتى يرجوه.

شرح الآية السادسة (46)

(وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ)

وجواب إذا محذوف تقديره أعرضوا دل عليه ما بعده:(وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ) قائل ذلك هم المؤمنون، أو النبي صلي الله عليه وسلم: أو الله-تعالي-والمعني وإذا قيل لهؤلاء المعرضين عن آيات الله المكذبين بها احذروا أن يصيبكم مثلها أصاب من قبلكم من الأمم مما هو قدامكم من الأفات والنوازل وعذاب الدنيا، وخافوا ما أنتم مقدمون عليه بعد الهلاك من عذاب الآخرة إذا أصررتم على الكفر حتي من عذابه ويغفر لكم، إذا قيل لهم ذلك أعرضوا عنه وإذا قيل لهم اتقوا لا يتقون.

ادعية صباحية تبدا بها يومك

صيغة المضارع في وما تأتيهم للدلالة على التجدد والاستمرار وإضافة الآيات إلى اسم الرب المضاف إلى ضمير هم في من آيات ربهم توحي بتفخيم شأن الآيات وتهويل ما اجترأوا عليه في حقها من التكذيب والإعراض، والمراد بها الآيات الناطقة بما فصل من بدائع صنع الله تعالي وسوابغ آلائه الموجبة للأقبال عليها والأيمان بها وإيتاؤها نزول الوحي بها أي ما نزل الوحي بأية من الآيات الناطقة بذلك إلا كانوا عنها معرضين على وجه التكذيب والاستهزاء، فلا تثير في قلوبهم التطلع والتدبر والتقوي وهذه الآيات كافية أن تثير في القلب المفتوح رعشة وانتفاضة وأن تخلطه بهذا الوجود الذي هو كتاب مفتوح تشير كل صفحة من صفحاته إلى عظمة الخالق ولطيف تدبيره وتقديره، ولكن هؤلاء المطموسين لا يرونها واذا راوها لا يتدبرونها، والله سبحانه عظيم الرحمة بهم لا يتركهم بلا رسول ينذرهم ويدعوهم إلى رب هذا الكون ويحذرهم موجبات الغضب والعذاب وهي محيطة بهم من بين أيديهم ومن خلفهم إلا ينتبهوا لها يقعوا فيها في كل خطوة من خطواتهم، وتتوالى عليهم الآيات التنزيلية مضافه إلى الآيات الكونية التي تحيط بهم حيثما يتجهون ولكنهم مع كل هذا يظلون عنها معرضين وفي غيهم سادرين.